منتديات نجم العرب stararabe7

أسرار الربح من الإنترنت | اربح من الانترنت | جوجل أدسنس | كتاب وكورسات فيديو تعليمية
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حقيقة الحياة الدنيا 1

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حريز مريم
عضو فعال بالمنتدى الاسلامى العام
avatar

عدد المساهمات : 131
تاريخ التسجيل : 25/03/2010
الموقع : meriamhariz.wordpress.com

مُساهمةموضوع: حقيقة الحياة الدنيا 1   الخميس أبريل 01, 2010 6:08 am

حقيقة الحياة الدنيا


بقلم هارون يحيى

تأمل صورة هذه الرجل يقدر عمره بسبعين عاما. ترى ماذا يدور في خلده حول الأيام التي مضت من عمره؟

هذا وغيره من الناس من الذين عاشوا قرابة سبعين أو ثمانين عاما يصابون بالدهشة والاستغراب ويتساءلون في أنفسهم: كيف مرت كل هذه الأعوام الطويلة بهذه السرعة دون أن يشعروا بها؟ بل سيقولون لك :"لم أفهم شيئا يذكر من هذه الحياة التي مرت في لمح البصر"!.

وعندما كانت هذه الرجل في العشرين من عمره وفي ريعان شبابه لم يكن يتصور أبدا أن يد الشيخوخة سوف تطاله في يوم من الأيام ولم يدر ذلك في خياله.

ولو طلبنا من هذه الرجل أن يلخص لنا كتابة حياته التي عاشها فسوف يقول لك: "أجل!… لقد مرت كل هذه الأعوام في لمح البصر و إذا أردت مني أن أدونها لك فلا أستطيع سوى كتابة خمسة أو ستة أسطر, أو إذا أردت فيمكن أن أتكلم عنها لمدة ست ساعات. . . هذا كل ما في الأمر"!.

إن الشخص الذي عاش في خضم كل هذه الأعوام ستتبادر إلى ذهنه بعض الأسئلة المهمة:

- ما غاية هذه الحياة التي مرت كلمح البصر؟

- لأي غاية عشت هذه الأعوام السبعين؟

- حسنا!. . . ماذا سيحدث بعد الآن؟

لاشك بأننا سنسمع رأيين مختلفين لو طرحنا هذا السؤال على مجموعتين من الناس. المجموعة الأولى هي المجموعة غير المؤمنة بالله والمجموعة الثانية هم الأشخاص الذين يؤمنون إيمانا صادقاً لا يعتريه الشك بوجود الله. إن إجابة أي شخص من المجموعة الأولى -على الأغلب - ستكون كالأتي:

" لقد مرت معظم سنين حياتي لغايات تافهة وفارغة, فلم أفهم بوضوح لأي غاية عشت هذه السنين السبعين. بداية كنت أعيش من أجل أمي وأبي ومن ثم من أجل زوجتي ومن ثم لأجل أولادي. . . أما الآن فإن الموت بدأ يقترب مني وسأرحل قريبا عن هذه الدنيا. . . وماذا بعد ذلك؟. . . ماذا سيحدث بعد ذلك؟ لا أدري. . . ولكن بالتأكيد سينتهي كل شيء. "

إن أسباب هذا الفراغ الذي يقع فيه أمثال هؤلاء هي عدم إدراكهم غاية خلق جميع الموجودات والأحياء, وهذه الغاية هي وراء خلق جميع هذه الكائنات. إن الإنسان العاقل الذي إذا ألقى نظرة من حوله سيدرك أن هذا النظام المدهش والفريد من نوعه الذي يحيط به قد أوجده وصوره خالق ينفرد بعلم لانهائي وبقدرة غير محدودة. إن عدم ظهور هذه الموجودات والكائنات بشكل اعتباطي أو عشوائي أو نتيجة مصادفات، بل ضمن مخطط زمني منظم غاية النظام يجسد الغاية التي خلقت من أجلها. وإن هذه الغاية قد دلنا عليها رب العالمين من خلال كتابه العزيز وهو القرآن الكريم المرسل هدى للناس أجمعين.

إن الشخص المؤمن بالله عز وجل والذي يضع نصب عينيه هذه الحقائق سيجيب على هذه الأسئلة السابقة بصورة صحيحة وسيقول:

" لقد خلقني الله رب العالمين وأرسلني إلى هذه الدنيا, وكلفني أن أقضي هذه المدة في العبودية له وبأحسن وجه, وقد أختبرني لهذا الغرض وأمتحنني. وكنت أعلم مسبقا بأن هذه الحياة قصيرة وزائلة وستمر في لمح البصر, لذا بذلت جهدي لكي أكون عبداً مطيعاً لا ينخدع بمباهج هذه الحياة الفانية وبملذاتها.

ثم تسألني: ماذا بعد ذلك؟… لقد حاولت طوال حياتي أن أكون عبدا صالحا أقوم بجميع ما أمرني الله به على أكمل وجه، لأن طموحي وأملي كان هو الفوز بالسعادة الأبدية بالدخول إلى الجنة، والفوز بها. وأنا انتظر بفارغ الصبر اليوم الذي أمثل فيه أمام رب العالمين".

ولاستعراض الفرق بشكل أفضل بين هاتين المجموعتين التي ورد ذكرهما أعلاه يستحسن أن نركز على هاتين النقطتين:

إن إيمان أكثرهم بوجود الله لا يمثل الإيمان الحقيقي, فكثير منهم يؤمنون بوجوده ولكنهم لا يدركون الأهمية الكبرى لهذه الحقيقة العظمى, فالفكرة الباطلة والسائدة بين أغلبية الناس هي أن الله خلقهم وتركهم يتصرفون كما يحلو لهم، وترك حبلهم على غاربهم. وقد نبه القرآن المنزل لإرشاد الإنسانية إلى أنه عندما يطرح سؤال من خلق السماوات والأرض على الناس لأجابوا: الله. ولكنهم مع هذا لا يستفيدون من هذا ولا يعتبرون.

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرض لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (لقمان 25)
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فأنّى يُؤْفَكُون وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (زخرف 87)

لهذا فإننا نرى في حياتنا اليومية أن انقياد هؤلاء البشر إلى هذا التفكير الخاطئ قد أدى إلى انعدام تواصلهم الروحي مع الله تعالى، وهم يحسبون أنهم قد تحلوا بصفات حميدة في الحياة الدنيا ستكون كفيلة بأن تأخذ بأيديهم إلى الجنة بعد أن يقضوا فترة قصيرة من الزمان في عذاب جهنم. وبجانب هذا فإن هناك قسماً كبيراً يعتقدون بأن الله خلق لهم هذه النعم وأنه يجب أن يتنعموا بها إلى أقصى حد ممكن دون أي اعتبارات أخرى. وبمثل هذا المنطق الناقص والتفكير الساذج يستمرون في ممارسة حياتهم اليومية بشكل عادي دون الالتفاف إلى حكمة وغاية هذه النعم الربانية. ولكن الحقيقة عكس هذا بالتأكيد، لأن هؤلاء الذين نسوا الله يعيشون في الحقيقة في غفلة كبيرة وعميقة وهذا ما أشار إليه الله في كتابه العزيز:

يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ (الروم 7)

فمثل هؤلاء البشر الذين يعيشون في غفلة تامة لا يدركون حقيقة هذه الحياة، ولا ماهيتها حق الإدراك, ولا يخطر على بالهم بأن هذه الحياة قصيرة جداً لدرجة إنها تمر كلمح البصر. ويمكن أن ندرك هذه الحقيقة إن أجلنا طرفنا فيما حوالينا. ومن المفارقات الغريبة أننا كثيرا ما نسمع من الذين يتندرون بإطلاق بعض الأمثال الشعبية المعروفة والتي تشير إلى تفاهة هذه الحياة وزوالها منها:

(دنيا فانية ). . . أو ( آه من هذه الدنيا الزائلة ). . . . أو (ماحدش واخد منها حاجة) !!. . . . إلخ

ولكن عندما نمعن النظر في هذه العبارات نرى أنها ليست في الحقيقة سوى عبارات وشعارات جوفاء لا تعكس وجهة نظرهم الحقيقية. لأن مثل هذه العبارات ما هي إلا عبارات شعبية مأثورة يتداولها الناس فيما بينهم دون فهم صحيح لمدلولاتها ولا لمعانيها الحقيقية. والغريب أنه بعد طرح عبارات مثل: "دنيا فإنية" أو "كم مرة يعيش الإنسان؟". . . . نرى تكملة لهذه العبارات إجابات تنم عن منطق ضحل مثل: "لذا علينا أن نعيش هذه الحياة بشكل مكثف ولا نهدر هذه الفرصة".

ولكن كون هذه الحياة قصيرة وفانية والموت هو نهايتها الحتمية، والإنسان يأتي إليها لمرة واحدة فقط. كان من المفروض أن يعد هذا الأمر من أهم الحقائق بالنسبة إلى الإنسان. قد لا ينتبه معظم الناس إلى هذه الحقيقة إلا بعد أن يصلوا إلى عمر متقدم. ولكن ما أن ينتبهوا إليها عليهم أن يراجعوا أنفسهم ويعيدوا النظر في طراز حياتهم فينظمونها من جديد وحسب مرضاة الله وما يريده منهم. إن الحياة قصيرة ولكن الروح يظل بمشيئة الله -خالدا إلى الأبد. وماذا تعني حياة قصيرة أمدها بين ستين إلى سبعين عاما بجانب الحياة الأبدية التي ليست لها حدود؟!!.

أليست من الحماقة أن يضحي الإنسان بكل شيء من أجل متعة قصيرة وفانية؟.

ولكننا نرى أن المنكرين يسعون طوال حياتهم من أجل غايات فارغة وتافهة ويستنفدونها في سبيل هذه الأهداف الفارغة ناسين الله تعالى. وعلى الرغم من كل هذا فإنهم لا ينجحون– في الغالب- في تحقيق هذه الغايات الفارغة رغم كل هذا الجري واللهاث لأن نفوسهم لا تشبع بل هي جائعة على الدوام. لأنهم وببساطة يطلبون المزيد ثم المزيد ولا يكتفون ولا تشبع نفوسهم أبداًَ. فإذا وصلوا إلى غاية ما تراهم يحاولون الوصول إلى غاية أكبر منها. ولأنهم إن حصلوا على وضع أو مرتبة ما يحاولون الوصول إلى مرتبة أعلى، ثم مرتبة أعلى. . . وهكذا يقضون حياتهم في الجري لإشباع رغباتهم التي لاتعرف الشبع حتى يدركهم الموت. إنّ رغباتهم في الحصول على الشهرة والمال والمتعة تظل ناقصة بالمعايير الدنيوية, لأنه ستظهر أمامهم بالتأكيد أشياء أحسن مما موجود لديهم.

فعلى سبيل المثال نرى أحدهم يحلم دوما باقتناء إحدى السيارات ذات الطراز الرياضي الحديث, فنراه بعد محاولات كثيرة وصعبة يحصل على هذه السيارة الغالية ويحقق حلمه هذا الذي طالما سعى لتحقيقه. ولكن ماذا نرى؟ لقد ظهرت وستظهر أنواع أخرى من هذه السيارات التي تحتوي على ميزات أحسن وأفضل وأحدث. أو لنفكر في شخص قد قضى زمنا طويلا في جمع النقود اللازمة لشراء بيت طالما حلم أن يقتنيه ويعيش فيه. ولكننا نراه بعد تحقيقه لحلمه واقتنائه ذلك البيت بعد كل هذا التعب والعناء- يصادف بيتا آخر أجمل بكثير من بيته, فنراه وقد تملكه الإحباط والحزن، وبدأ بيته يفقد في نظره جاذبيته السابقة. بالإضافة إلى الألم الذي ينتاب الذين يرون ما يعتري ممتلكاتهم من اندثار بسبب القدم وما تجريه السنوات عليها من آثار سلبية.

إن التقدم العلمي المدهش يقدم للإنسان دوما أجهزة أحدث وأجمل وأحسن، فتفقد ما لدى هؤلاء من هذه الممتلكات رونقها وجاذبيتها وتبدو قديمة في أعينهم. ويستمرون طوال حياتهم في الدوران في هذه الدائرة المفرغة فلا تسكن نفوسهم أبدا ويظلون في لهاث دائم للحصول على الأجمل وعلى الأحسن. . وبعد الحصول عليه يعتق هذا الشيء عنده ويفقد قيمته فيبدأ البحث عن الجديد مرة أخرى، وعن الأجمل. . . هذه هي الدائرة المفرغة التي عاش فيها الإنسان طوال التاريخ. لذا فإن الإنسان العاقل يجب أن يقف وأن يراجع نفسه في هذا الأمر ويعلم أن هذا الجري الأعمى لن يؤدي إلى نتيجة وان يقول لنفسه:

" لا بد وأن هناك خطأ كبيراً في هذا الطراز من التفكير".

لكن نرى مع الأسف أن أغلبية الناس لا يملكون مثل هذا المنطق ويظلون يجرون وراء أحلام وخيالات لا يمكن أن تتحقق, بينما لا يستطيع أحد منا أن يضمن حياته حتى لبضع دقائق قادمة فالتعرض إلى حادثة سيارة، والتحول إلى شخص معاق، أو التعرض حتى للموت من الأمور السهلة والاعتيادية. والشخص الذي يتذكر الموت للحظة واحدة يدرك تمام الإدراك أنه عندما يثوى في قبره فلن يجديه نفعاً لا المال ولا الأولاد ولا المنصب أو الجاه ولا أي شخص من الأشخاص الذين كانوا موجودين حواليه. وسواء أكان غنياً أم فقيراً, جميلاً أم قبيحاً، فكل إنسان سيلف ببضعة أمتار من الكفن ويدفن في القبر.

لهذا فإن هذا الكتاب سيتناول عدم أمان هذه الدنيا الفانية التي لا تعطي الضمان لأي إنسان، والتي تمر كلمح البصر، مشيرا إلى أنها حياة خادعة تغر الإنسان، وذلك بنشر جميع أسرارها أمام أعينكم. لهذا فإن الله أو صى المؤمنين أن يحذروا الناس جميعا وينذروهم وأن يطرحوا أمامهم هذه الحقائق. كذلك فقد أمر الله جميع البشر ألا ينخدعوا بهذه الحياة الدنيا وأن يطيعوا أوامره, وهو في هذه الآية يحذر الناس:

يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(فاطر 5)
الحياة الدنيا

إن الكون من حولنا موجود ضمن نظام دقيق، وتناغم فريد. وهو يضم 300 مليار مجرة وكل مجرة منها تحتوي في المعدل على 300 مليار نجمة. ويتجلى النظام المدهش الموجود في الكون في أن هذه المجرات والنجوم والكواكب والأقمار تدور حول نفسها من جهة، وتدور ضمن نظامه الفلكي في مدارات معينة من جهة أخرى. ولا يمكن بأي حال من الأحوال تفسير نشوء كل هذا النظام الرائع والترتيب المذهل، والحساب الدقيق عن طريق المصادفة.

وبالإضافة إلى هذا فإن أخذنا بنظر الاعتبار سرعة الكون فإن أمر النظام والتصميم البديع يأخذ أبعادا لا يصدقه العقل البشري, فأوزان النجوم, والكواكب, والمجرات وعناقيد المجرات والتي تصل أوزانها إلى البلايين وملايين البلايين من الأطنان تتحرك في الفضاء بسرعات مدهشة. فالأرض مثلاً تدور حول محورها بسرعة تصل إلى 1670 كم /ساعة وتدور حول الشمس بسرعة 108000 كم/ساعة, بينما تدور المجموعة الشمسية حول مركز المجرة بسرعة تصل إلى 720000 كم/ساعة. كذلك تتحرك مجرة درب التبانة- أي مجرتنا- في الفضاء بسرعة تصل إلى 950000كم/ساعة.

إن استمرار هذه الحركة والتي لا تعرف السكون وبهذه السرعة تجعل كلا من الأرض والشمس تبتعد كل سنة عن موقعهما في السنة الماضية بنحو500 مليون كم! لذلك فنحن نعيش فوق أحد هذه الأجرام السماوية التي تتحرك بسرعة فلكية مخيفة. وبالإضافة إلى هذا فإن كوكبنا يعد كوكباً صغيراً وعادياً فيما إذا قورن مع بقية الكواكب الموجودة في هذا الكون الواسع المترامي الأطراف.

إن هذه الدرجة التي لا تصدق من الدقة في التوازن الموجود في نظام الكون تشير إلى حقيقة لا مفر منها وهي, أن حياتنا على كوكبنا الأرضي مرتبطة بقيد شعرة!. لأن الأجرام السماوية إذا تزحزحت أو تحركت أو انحرفت ببضع ميليمترات فقط خارج أفلاكها فإنه من الممكن أن تتولد نتائج وخيمة تجعل الحياة فوق كوكبنا مستحيلة. لقد كان من الممكن حدوث حوادث اصطدامات مروعة ضمن هذا القدر الكبير من السرعات المختلفة وهذا القدر الكبير من التوازن الموجود داخل هذا النظام, ولكن الحياة لا تزال مستمرة على كوكبنا، ولا زلنا مستمرين في العيش مما يشير إلى أن احتمال وقوع الكوارث فيه أمر نادر, فالنظام فيه مستمر ويسير دون أي خلل أو اضطراب. ونحن البشر نعيش على هذا الكوكب ونستمر في هذا العيش بأمان من دون أي قلق دون أن نشعر حتى بسرعة دوران الأرض.

أكثر الناس لا يفكرون كثيرا في كيفية استمرار هذه الحياة على الأرض، ونظرا لأنهم لا يفكرون، فهم لا يدركون أن حياتهم مرتبطة في الحقيقة بتوفر شروط غير اعتيادية تفوق الخيال. ولا ينتبهون إلى هذه الحقائق, لذا نرى أن أغلبية الناس الذين يعيشون على هذا الكوكب لا يدركون لأي غاية محددة خلق هذا الكون, فهم يستمرون في حياتهم دون أن يعبئوا كثيرا بسبب ولا بغاية وجودهم على هذا الكوكب ولا يعيرون أي اهتمام إلى هذه الدرجة العالية من التوازن والنظام العجيب الموجود في كل زاوية من زوايا هذا الكون العظيم. بينما العقل و التأمل هو الذي يجعل الإنسان إنساناً ويميزه عن باقي المخلوقات وهو أثمن العطايا التي منحها الله لبني البشر. والإنسان الذي لا يفكر ولا يستخدم ملكة العقل عنده لا يمكن أن يصل إلى الحقائق حول العديد من الأمور مثل: لماذا ولأي سبب يعيش الإنسان؟ لماذا خلقت الدنيا؟. ومن قبل من وضع كل هذا النظام الرائع في الكون. إن الشخص الذي إذا فكر واستوعب ما استعرضناه آنفا سيصل إلى الحقيقة التي ستسطع أمامه كالنور ومفادها:

أن الكون الذي نعيش فيه والذي يحوي كل هذا التوازن الحساس قد أو جده خالق يملك علما لا حد له, وأن كرتنا الأرضية رغم صغرها مقارنة مع بقية الكواكب قد خلقت لغايات كبرى, ولا يوجد أي عبث في شأن من شؤون الإنسان. ولو تأملنا الكون من حولنا بدقة لوجدنا أن في كل ركن من أركانه دليلا قوياً على وجود خالق يمتلك قوة ً وعلماً لا نهائيين قد خلق الإنسان لغايات معينة ولم يتركه على هواه يفعل ما يشاء, وقد ذكر الله في كتابه المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلّم الغاية من وجود الإنسان على الأرض، فيقول:

الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ( سورة الملك 2)

إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (سورة الإنسان 2)

وقد أخبرنا القرآن الكريم بأن الله لم يخلق أي شيء على الأرض عبثا من دون غاية.

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَأتخذنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (سورة الأنبياء 16-17)

كل شيء في الطبيعة يتعرض إلى التلف مع الزمن. وهذه هي حقيقة الحياة الدنيا.

ماهية الدنيا

لقد خلق الله حياة الدنيا ليختبر فيها الإنسان ويمتحنه ولكي يرى أيهم سيتحلى بالأخلاق الحميدة ويبدي له إخلاصاً حقيقياً وعبودية كاملة. بمعنى آخر, فإن هذه الدنيا هي دار امتحان للتمييز بين الإنسان الذي يجتنب معصية الله وبين من يجحد به. ففي دار الامتحان هذه والتي تحوي القبح والجمال, الكمال والنقصان معا يمتحن العبد ضمن نظام لا يعتريه أي نقص. فالإنسان يمكن أن يظهر إيمانه بأن يسلك طرقا متنوعة في هذه السبيل, وفي النهاية فالذين يؤمنون بالله إيمانا لا يعتريه الشك أو التردد سيتميزون عن الملحدين والمنكرين وسيصلون إلى بر النجاة. وقد بين القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله:

أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُون وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فليعلمن اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين ( سورة العنكبوت 2-3)

ولكي نفهم ماهية هذا الامتحان, بداية يجب أن نتعرف بصورة جيدة على خالق ومدبر هذا الكون, فهو الله خالق السماوات والأرض وما بينهما من العدم، والذي يحتاج إليه كل كائن وكل موجود, بينما هو تعالى المنزه عن النقص لا يحتاج إلى أحد, وهو خالق الإنسان من العدم قد أنعم عليه نعماً لا تعد ولا تحصى.

فليس بمقدور الإنسان أن ينظم بنفسه الفعاليات الحيوية العديدة داخل جسمه كعملية السمع والبصر والمشي وعملية التنفس. . . إلخ, ومع أن الإنسان لم يستطيع أن يدرك حق الإدراك كيفية عمل هذه الأعضاء والأجهزة فإن الله قد شكلها وصورها ووضعها في جسمه, ومقابل كل هذه النعم فإن الله لا يطلب من عبده سوى الإخلاص له في العبودية. ولكن وحسب ما تذكر العديد من الآيات نرى أن الكثير من البشر يتميزون بخاصية الجحود والظلم، فبدلاً من أن يشكروا ربهم ويحمدوه ويخضعوا له تراهم ينسون هذا ويتصرفون بكل ظلم وجحود ويتعدون الحدود الموضوعة أمامهم، متوهمين بأنهم يمتلكون قوة كبيرة, وبأنهم لن يفارقوا هذه الدنيا إلا بعد زمن طويل. لهذا السبب فإن غايتهم الوحيدة تكون متوجهة فقط لهذه الحياة الدنيا. فهم يتناسون الموت ولا يقومون بإعداد أنفسهم بأي شكل من الأشكال لما بعده, فشغلهم وشاغلهم هو أن يوفروا لإنفسهم حياة أفضل, وأن يستمتعوا بجميع اللحظات التي يعيشونها إلى أقصى حد ممكن، وأن يشبعوا جميع أهوائهم ورغباتهم.

وقد ذكر الله في آياته الكريمة حول مدى ارتباط الإنسان بهذه الدنيا بقوله:

إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (سورة الإنسان- 27)

ويغيب عن بال معظم هؤلاء المنكرين والذين يلهثون وراء هذه الدنيا سر في غاية الأهمية, إلا وهو الانقضاء السريع لهذه الدنيا. وهذا موضوع ينساه الوالهون بالدنيا ولا يفكرون فيه ويحاولون تناسيه ما استطاعوه إليه سبيلا ً.

ولكن مهما حاولوا فلن يستطيعوا الفرار من هذه الحقيقة.
بضع ثوانٍِ أم بضع ساعات؟

دعنا نفترض بأنكم في يوم عطلة وأنكم- وبعد رحلة دامت ساعتين- وصلتم إلى القرية السياحية التي طالما حلمتم بالذهاب إليها, حيث المكان يعج بالزوار من حولكم. وفي صالة الانتظار التقيتم ببعض الأصدقاء وبعد تبادل التحيات معهم توجهتم إلى غرفتكم ولكي لا تضيعوا المزيد من الوقت أسرعتم في تغيير ملابسكم وانطلقتم إلى ساحل البحر. و إذا بمياه زرقاء صافية تمتد أمامكم, وساحل رملي يشع مثل الذهب, والجو الحار يدعوكم لكي تستعجلوا في النزول إلى البحر, وبدأتم بالسباحة, وفجأة سمعتم صوتا يقول لكم "انهض ! لقد بلغت الساعة الثامنة صباحا". ولكنكم لم تفهموا شيئا، ولم تعطوا تفسيرا لهذا الصوت. وفي تلك اللحظة ستحاولون أن تجدوا حلقة وصل بين ما تسمعونه وبين المكان الذي أنتم فيه. في النهاية بدأتم تفتحون أعينكم شيئا فشيئا وتستردون وعيكم, و إذا بجدران غرفتكم تتراءى أمام ناظركم. . . آه!. . . لقد كان ذلك حلما إذن!! وفعلا وبعدما أفقتم أدركتم أن كل ما رأيتموه كان عبارة عن حلم جميل. ولكن كيف؟!. . . . يا الهي!. . . لقد كان كل شيء حقيقيا إلى أبعد الحدود!. . . . لقد أمضينا قرابة الساعتين في الطريق إلى القرية السياحية ولقد التقينا العديد من المعارف والأصدقاء في تلك القرية السياحية, وكذلك كان هناك ذلك الساحل الجميل والبحر الجميل, وماذا أقول عن ذلك الجو؟ ذلك الجو الذي كان رائعا بل وما زلت أشعر بحرارته في جسمي على الرغم من الطقس الشتوي السائد حولي وأنا أحاول القيام من الفراش. . . . أنه شيء محير حقاً.

إذن فعلى الرغم من تخيلكم بأنكم قضيتم فترة طويلة, إلا أن هذا الزمن الطويل المتخيل لم يكن سوى ثوان معدودات مرت بكم في الحلم. ومهما حاولتم إثبات عكس هذا, ففي النهاية يجب القبول بالحقيقة الواقعة.

ومثل هذا الذهول والدهشة هو ما سيصيب المنكرين الذين يأتون إلى الآخرة بعد الانقضاء السريع لحياتهم الدنيوية بعد ما خدعتهم هذه الحياة القصيرة وظنوا بأنهم ماكثون فيها ألف عام. بل إن البعض منهم كان يخيل إليه أنه سيعيش فيها آلاف السنين. ولكن بعد بعثهم وحشرهم بعد الموت سيدركون بأن حياتهم الدنيا كانت قصيرة جدا.

وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله:

قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّين قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُم ْتعلَمُون أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (سورة المؤمنون 112– 114)

وسيحسب الذين عمروا في الدنيا عشرة أعوام أو مائة عام بأنهم لم يلبثوا فيها سوى يوم واحد فقط. تماما مثل الشخص الذي ينتبه من نومه بعد حلم طويل فيكتشف أن ما رآه من حلم حول عطلة طويلة كان عبارة في الحقيقة عن عدة ثوان فقط. . بل ستبدو هذه الحياة التي عاش سنواتها طولاً وعرضاً وبكل حرص وتشبث بها وتمسك بأهدابها. . . ستبدو له وكأنها كانت عبارة عن ساعة واحدة فقط، وهو مستعد لأن يقسم ويحلف على هذا:

وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (سورة الروم 55)

فكما هو معلوم لدى الجميع وبصورة أكيدة أن الحياة الدنيا محدودة يمكن أن تمتد إلى بضع ساعات أو إلى يوم واحد أو إلى أسبوع أو إلى ثلاثين عاما أو إلى سبعين عاماً. وككل شيء محدود فإنها ستنتهي في يوم من الأيام . لذا فإن الشخص الذي يعيش 80 عاما أو حتى 100 عام, فإن كل يوم يمر من عمره هذا يعني اقترابه شيئاً فشيئاً من النهاية المحتومة والتي لا مفر منها على الإطلاق. ويعرف كل واحد منا أمثلة على هذا من حياته. فكم من خطة طويلة الأمد رتبتها في حياتك ثم إذا بك ترى أن المدة الطويلة قد انقضت تماما، وعندها نلتفت إلى الوراء ونقول: " رباه. . . كيف انقضت كل هذه المدة بهذه السرعة ؟ ".

لنأخذ مثالاً آخر ولنتصور في ماذا يفكر الشاب وهو يخطو خطواته الأولى في مرحلة الثانوية. فعندما كان في الصف الأول ثانوي فإنه يتصور بأن بلوغ المرحلة الأخيرة من الثانوية حلمُ بعيد المنال ولن يأتي, وأن أمامه مشوارا طويلا. ولكننا نراه ينهي الثانوية ويدخل الجامعة ويتخرج حتى يكاد لا يتذكر ما كان يفكر به أيام السنة الأولى من الثانوية لأنه في هذا الوقت لديه خطط أخرى يفكر في إنجازها, فربما يخطط للزواج بعد عدة أشهر وهو يجر تلك الأيام ويرى إنها لا تنتهي ويستبطئ وصول ذلك اليوم الموعود. ولكن ذلك اليوم سيأتي أيضاً وسينقضي أيضاً وبدون أن يشعر تأخذ ه دوامة الحياة فلا يرى نفسه إلا وقد أصبح أبا وجدا له أبناء وأحفاد، و إذا به قد أصبح رجلا مسناً وشيخاً. . . . إذن فقد أو شك العمر على الأنتهاء، ولم يبق على موعد اللقاء مع ذلك اليوم الكبير سوى بضعة أعوام، وربما بضعة أسابيع بل ربما بضع دقائق. . . من يدري؟.

هذا علماً بأن الله قد وضح لنا منذ فجر التاريخ حقيقة كون هذه الحياة مجرد محطة انتقالية ومؤقتة وقصيرة نمر من خلالها إلى الدار الحقيقية، إلى دار الإقامة الدائمة وهي دار الآخرة التي هي "دار المقام". وشرح لنا عن طريق الوحي جميع التفاصيل المتعلقة بالحياة الخالدة في الجنة وفي جهنم. وعلى الرغم من كل هذا نجد الإنسان يوجه جلّ اهتمامه لهذه الدنيا القصيرة محاولا إشباع نزواته وأهوائه وشهواته. ولكن لو حاول الإنسان أن يستوعب الأمر بجميع تفاصيله وأن يحكم العقل والمنطق لوجد أنه لا وجه للمقارنة بين حياة أبدية ونعم لا تزول وعدنا بها رب العالمين وبين هذه الحياة القصيرة الفانية, وأن عليه أن يعمل من أجل الفوز بالجنة وما تحويها من نعم لا مثيل لها, حيث فيها لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطرت على قلب بشر. وهذا يتم عندما يكون توجهه خالصا إلى الله.

أما الذين لا يفكرون في هذه النهاية ولا يرون بأنها واقعة بهم, فإنهم ولاشك سيستحقون العذاب الذي أعدّه الله لهم, حيث ذكر الله في قرآنه الكريم النهاية المحتومة لهؤلاء البشر الذين يهربون من أداء العبودية لرب العالمين في قوله:

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَد خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين َ ( يونس 45)

فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أو لُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ( الأحقاف 35)
الحرص الذي لا يؤدي إلى نتيجة

لقد استعرضنا فيما سبق قصر هذه الحياة الدنيا, وكيف إنها تمر بنا كلمح البصر. هنا يجب الإشارة إلى نقطة مهمة تغفل عنها عيون الكثير من الذين وضعوا جلّ اهتمامهم هذه الدنيا, وهي أنه لا يمكن لأي شخص مهما امتلك من إمكانيات وقوة وثروة أن يصل إلى الطمأنينة الحقيقية وإلى الراحة النفسية من دون الإيمان بالله.

إن الإنسان ما إن يبدأ بالوعي وبإدراك الأشياء من حواليه حتى تبدأ وتظهر مطالبه ورغباته التي لا تعرف لها أي نهاية، وهو يحاول تلبية جميع هذه الرغبات وإشباعها. ولكن الإنسان مقابل هذه الرغبات التي لا تنتهي لا يملك الإمكانيات التي تحققها جميعا، لأن إمكانياته محدودة. وحتى لو فرضنا أنه يستطيع ذلك فلا يغير هذا من الأمر شيئا، لأنه حتى وإن أصبح أغنى أغنياء العالم فهذا الغنى زائل، لأنه إن كان متوسط العمر يتراوح بين سبعين إلى ثمانين سنة وما إن تنتهي هذه المدة حتى يفقد كل شيء بالموت.

لذا فإن الإنسان الذي لا يعرف حدوداً لرغباته يظل يعيش– كجزاء وعقاب من الله– في حالة من "الجوع وعدم الاكتفاء النفسي"، وتتملكه في كل فترة من فترات حياته رغبة عارمة في تملك أشياء معينة. وهو في سبيل تحقيق رغباته تلك نراه يجري ويعمل بكل جهد حتى وإن أدّى به ذلك إلى أن يسلك في هذه السبيل طرقا ملتوية, ويكون مستعدا في هذا الخصوص لكي يعادي أقرب الناس إليه:عائلته وأقرباءه وأصدقاءه إن ظن أنهم سيكونون حجر عثرة أمام تحقيق رغباته, والغريب في الأمر أنه ما إن يحصل على بغيته حتى يبطل سحر ذلك الشيء لديه ويفقد قيمته وينطفئ بريقه مهما كان ذلك الشيء ثمينا. وكأنه لم يبذل في سبيله كل تلك الأشهر والسنوات. ثم إذا بنا نراه يبدأ مجدداً في السعي لإمتلاك شيء آخر وقعت عيناه عليه ويبدأ كما فعل سابقا العمل بكل جهد من أجل ذلك الهدف الجديد. . . وهكذا يستمر في سعيه دون انقطاع.

إن الشخص المنكر يستمر حتى وفاته في السعي من أجل امتلاك الجاه والمال وكل ما تقع عيناه عليه دون أن يفتر. ولا يسعد أبدا بما تملكه وحصل عليه, فلا يكون قنوعاً بما لديه لأنه لا يوجد في نيته كسب رضى الله بل العكس فهو يسعى من أجل إرضاء روح الأنانية التي تتملّكه, وهذا بالطبع يؤدي إلى أن يكون مختالاً ومغروراً بنفسه ولهذا فإن رب العالمين لا يمنح الطمأنينة الحقيقية وراحة البال لأمثال هؤلاء من الذين أصبحوا عبيدا لشهواتهم ولنزواتهم ولأنانيتهم.

ونجد هنا أن الله ذكر في قرآنه الكريم أن الذين يتوجهون إلى الله ويذكرونه باستمرار هم الذين يعيشون حياةً ملؤها الطمأنينة وراحة البال.

الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ إلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الرعد 28)
الانخداع بالحياة الدنيا

إذا أجال الإنسان بصره فيما حوله رصد الكثير من أنواع ومن صور الجمال التي تبهج النفس والفؤاد وتسر الأعين وهو يراقب كل هذه الأشياء بإعجاب كبير, فالتصميم الدقيق والدقيقة المصممة بكل جمال في جسم الإنسان. . . ملايين الأنواع من النباتات والزهور الجميلة. . . , انتشار قطع الغيوم الكبيرة وتناثرها على مساحات شاسعة في سماء رحب. . . بالإضافة إلى الكثير من المخلوقات والأشياء التي صممت بشكل دقيق تبعث في النفوس البهجة والسرور. بالإضافة إلى ما تشاهده الأعين فإن هناك حواساً أخرى تمنح الإنسان فرصة الاستمتاع بأشياء أخرى. مثلا حاسة التذوق التي تمنحنا فرصة تذوق الأطعمة المختلفة, وحاسة السمع التي تمنحنا فرصة الاستماع إلى مقطوعة موسيقية عذبة تخترق شغاف القلب, وحاسة الشم التي تجعلنا نشم رائحة وردة عطرة. فكم هو جميل ومبهج أن نشاهد منظر فاكهة متدلية من غصن شجرة وأن نشم رائحتها ثم أن نستمتع بطعمها اللذيذ؟. وكذلك ما نراه من اختلاف الألوان وتناغمها في الأزهار وأشكالها وصورها العديدة الجميلة والتي تمنحنا الإحساس بالبهجة والانشراح والمتعة, وكذلك منظر وجه جميل لإنسان، أو منظر بيت جميل أو سيارة حديثة. . . قائمة يطول الحديث عنها وهي تجعل بني البشر يجرون طوال حياتهم من أجل أن يظفروا بها. ولكن ما أن يلتفت إلى هذه الأشياء بعد مرور فترة من الوقت عليها حتى يقع في حيرة كبيرة لأنه سيرى أن كل هذه الأشياء قد فقدت جاذبيتها وجمالها, وانقلبت إلى حال لا يرغب أحد حتى في إلقاء نظرة عليها.

فالفاكهة اليانعة التي قطفت حديثا من الشجر والتي كانت نضرة وزاهية تفوح بعطر أخاذ نراها بعد فترة وقد فقدت نضارتها وبدأت علامات التلف تظهر فيها، وتبدأ تدريجيا في التعفن وتنبعث منها روائح كريهة. ثم ما بال تلك الأزهار الحمراء التي قطفناها من الحديقة والتي كانت تضفي على البيت جمالا؟ لقد فقدت رونقها ونضارتها بعد أيام معدودات وبدأت تذبل. . لنتأمل وجه إنسان حسن الطلعة فبعد 60 عاما عندما تتطلع إليه ترى أن التجاعيد والخطوط العميقة قد أخذت مكانها في وجهه واشتعل رأسه شيباً حتى لا نكاد نعرفه. وذلك البيت الذي طالما حلمت به تراه بعد سنين وقد أصبح بيتا بالياً, ونفس المصير سيواجه سيارتكم الحديثة حيث ستفقد جاذبيتها بعد بضع سنين، ويكون الصدأ قد انتشر في أجزائها المختلفة. والنتيجة التي نخلص إليها أن كل شيء موجود حول الإنسان يميل إلى الفساد والتحلل والبلى وإلى فقد جاذبيته وجماله وجدته.

قد يعتبر معظمنا هذه الأمور " نتيجة طبيعية أو مرحلة طبيعية" لا غرابة فيها. ولكن توجد هنا دون شك عبرة كبيرة ومعنى عميق. , لأن كل شيء عندما يواجه مصيره من العطب والقدم والتآكل يرسل لنا إشارة ورسالة مهمة هي: إن هذه الدنيا ما هي إلا سراب ووهم وخدعة كبيرة! وأن جميع الموجودات الحية من نبات وحيوان وإنسان مصيره إلى الفناء والزوال, وأن السبب الكامن وراء عدم إدراك هذه الحقيقة لدى الكثيرين منا يكمن وراء ولادة أجيال جديدة من الكائنات تأخذ مكان الذين أدركهم الموت, لذا فإن الإنسان الذي لا يدرك حقيقة الموت نراه يعطي أهمية كبيرة في هذه الدنيا للأشياء الفانية بينما الله تعالى هو صاحب كل شيء ومالكه، والأحياء يحيون ويموتون بإرادته وبقدرته وحسب مشيئته.

وقد حذرنا الله من خلال العديد من الأمثلة الموجودة في القرآن الكريم من الانخداع بزيف هذه الحياة ودعانا إلى التفكير بعمق في هذه الحقيقة:

إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرض مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الأنعَامُ حَتَّى إذا أخذ تْ الأرض زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أنهم قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أو نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (يونس 24)

فكما تذكر الآية الكريمة فإن كل شيء جميل وحسن, سيأتي يوم يفقد فيه نضارته وحسنه بل حتى يفنى ويختفي من الوجود. ولكن معرفة هذا لا تكفي بل يجب التفكير بعمق في هذه الحقيقة الكبيرة, والله يقول بأنه يضرب الأمثال للذين يفكرون ويتأملون ويتعظون. وبما أن الإنسان كائن عاقل إذن عليه أن يفكر وأن يصل إلى نتيجة معينة من تفكيره. لأن الإنسان الذي لا يفكر ولا يتدبر ولا يعقل ولا يحمل مثل هذه الأوصاف المهمة لا يبقى هناك فرق كبير بينه وبين الحيوانات. ولا يميزه شيء عن سائر المخلوقات الأخرى، لأن هذه المخلوقات الأخرى تتوالد وتكبر وتتكاثر أيضاً وتستمر في الحياة ضمن القوانين التي تسيّرها, وطبيعي فهي لا تفكر كيف ولماذا خلقت, وأنها ستموت يوماً ما, وهي لا تكلف نفسها عناء البحث عن حقيقة هذه الحياة الفانية. وهذا شيء طبيعي بالنسبة إلى مثل هذه المخلوقات لأنها لم تخلق ككائنات مدركة أو صاحبة عقل. لأنها ليست مكلفة في البحث عن غاية الخلق وإدراك سر وجود الخالق, لكن الأمر يختلف مع الإنسان لأنه يكون مسؤولاً عن معرفة خالقه والعمل بما أمره به وهو مسؤول بأن يدرك بأن هذه الحياة ليست دار بقاء، بل هي مجرد دار زائلة يعيش فيها لفترة قصيرة قبل أن ينتقل إلى دار الآخرة. واجب عليه أن يدرك هذه الحقيقة ويبدأ بإعداد نفسه بأن يسلك جميع الطرق التي تجعله ينال مرضاة الله قبل أن يتقل إلى دار الآخرة, ولكن أي تصرف عكس هذا سوف يؤدي به لا محالة إلى مواجهة متاعب كبيرة في الدنيا وإلى عذاب شديد في الآخرة ً.

أمثلة من القرآن حول زوال الدنيا

ضرب الله لنا في القرآن أمثلة عديدة على زوال الحياة الدنيا. فقد استعرض العديد من المجتمعات الإنسانية التي عاشت في السابق وما أصابها من كوارث وما صب فوق رؤوسها من صنوف العذاب. كما أو ضحت الآيات القرآنية الوجه الحقيقي للحياة الدنيا وصاحب الجنة وحواره مع صديقه الوارد ذكرهما في سورة الكهف مثال على هذا:

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أكثر مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبدا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أو يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا هُنَالِكَ الْوَلاية لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ( الكهف 32-46)

تشير هذه الآية الكريمة إلى مدى الخطأ الذي يقع فيه الإنسان عندما يغتر بماله وبقوته، وكيف أن الله يستطيع في لحظة واحدة سلب كل شيء عنه. وإلى الحقيقة نفسها تشير آية أخرى:

إِنَّا بَلَوناهم كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ أَنْ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِين وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قال أوسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( القلم 17-33)

فقد يكون الإنسان غنياً ولا يكون سعيدا بغناه. وقد تكون المرأة حسناء ويكون هذا الحسنُ وبالا ً عليها. قد يكون الإنسان مشهوراً ولكن في يوم ما يعيش وحيداً ثم يموت وحيداً في إحدى الغرف دون أنيس ولا قريب. وقد ضرب الله لنا مثالا لهؤلاء قارون وكان من قوم سيدنا موسى عليه السلام, فهنا يشير الله إلى قارون و إلى الذين على شاكلته ممن خدعوا بزينة هذه الدنيا وهم ظاهراً يؤمنون بالله ولكنهم نسوا الله بانخداعهم بسحر هذه الدنيا.

يقول الله تعالى:

إن قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أو لِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخرة وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرض إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين قَالَ إِنَّمَا أو تِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أو لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أشد مِنْهُ قُوَّةً وأكثر جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُون فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أو تِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيم وَقَالَ الَّذِينَ أوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إلا الصَّابِرُون فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرضٍ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِين وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ تِلْكَ الدَّارُ الآخرة نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (القصص 84 – 76)

وكما رأينا فإن الخطأ الذي وقع فيه قارون لا يتعلق بإنكاره وجود الله, ولكن خطئه يكمن في تحركه

بصورة مستقلة عن إرادة الله وبإحساسه بامتلاك قدرة منفصلة ذاتية, وأن هذه القوة التي منحه إياها الله تعالى قد فسرها على أنها حق طبيعي لإحساسه بتفوقه على باقي البشر. لكن يجب معرفة أن الجميع هم عباد الله، ولا يحق لهم المطالبة بأي حق منه, وأن ما منحه الله لعباده هو فقط ناتج عن الكرم الإلهي وعلى الذين يعون هذه الحقيقة أن لا يتمردوا أمام ما أنعم الله عليهم ولا يعصوا ولا يفرحوا بهذا الشكل المبالغ به لما منحهم رب العالمين من نعم, بل عليهم أن يشكروه وأن يفرحوا بهذا الإحساس, وأن هذا السرور الذي يجب أن يعيشوه هو أعظم وأرفع إحساس في الدنيا.

أما الذين أتخذوا قارون وأمثاله قدوة لهم في حياتهم فسوف يواجهون بالخسران والفشل, و إذا استمروا في عدم الاتعاظ بما أصابهم من محن ومصائب جراء سلوكهم هذا عندها سيكون مأواهم الخلود في نار جهنم, وهذه الحقيقة عبرت عنها هذه الآية الكريمة:

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَ الأولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ (الحديد 20 )

قال الله تعالى Sadوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا)


عجز الإنسان

لقد خلق الله الإنسان على أحسن صورة, ومنحه صفات عليا, وفضله على كثير من مخلوقاته بما وهب له من إمكانية اتخاذ القرارات وإمكانية تطبيق ذلك عمليا، ووضع الخطط واستنباط الحلول إضافة إلى القدرات الذهنية الأخرى.

لكن يا ترى هل فكرتم لماذا يحتاج مثل هذا المخلوق الذي يمتلك كل هذه الصفات العليا إلى بدن خاص لكي يحميه؟ لماذا توجد هناك مخلوقات لا ترى بالعين المجردة بل باستعمال المجاهر الإلكترونية مثل البكتريا والفيروسات التي يمكن أن تسبب ضرراً قاتلا للإنسان؟ لماذا يضطر الإنسان أن يحافظ على نظافة بدنه طوال حياته؟ولماذا يعاني جسم الإنسان من الشيخوخة والهرم؟.

قد يعتبر البعض كل هذه الأمور أشياء طبيعية, فيما نرى أن هناك غاية خاصة لكل شيء تم إستعراضه حتى الآن وقد أو جد الله جميع التفاصيل التي من خلالها نرى عجز الإنسان وضعفه , ففي سورة النساء الآية 28 يسترعي انتباهنا إلى هذه الحقيقة بقوله: ( وخلق الإنسان ضعيفاً. . . . ) أي أن كل هذه الأمور موجودة لكي يعلم الإنسان بأنه خلق ضعيفا ً ويدرك مقدار ضعفه وعجزه أمام رب العالمين, وليعرف بأن هذه الدنيا لا يطول الأنتظار فيها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
حقيقة الحياة الدنيا 1
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات نجم العرب stararabe7 :: المنتديات العامه - منتديات عامه :: المنتدى العام-
انتقل الى: